ابن الجوزي

118

زاد المسير في علم التفسير

القول الذي لم يتصرح لفظه . وقال ابن جرير : في الكلام محذوف ، تقديره : ما منعك من السجود ، فأحوجك أن لا تسجد ؟ . قال الزجاج : وسؤال الله تعالى لإبليس " ما منعك " توبيخ له ، وليظهر أنه معاند ، ولذلك لم يتب ، وأتى بشئ في معنى الجواب ، ولفظه غير جواب ، لأن قوله : ( أنا خير منه ) إنما هو جواب ، أيكما خير ؟ ولكن المعنى : منعني من السجود فضلي عليه . ومثله قولك للرجل : كيف كنت ؟ فيقول : أنا صالح ، وإنما الجواب : كنت صالحا فيجيب بما يحتاج إليه وزيادة . قال العلماء : وقع الخطأ من إبليس حين قاس مع وجود النص ، وخفي عليه فضل الطين على النار ، وفضله من وجوه . أحدها : أن من طبع النار الطيش والالتهاب والعجلة ، ومن طبع الطين الهدوء والرزانة . والثاني : أن الطين سبب الإنبات والإيجاد ، والنار سبب الإعدام والإهلاك . والثالث : أن الطين سبب جمع الأشياء ، والنار سبب تفريقها . قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فأخرج إنك من الصاغرين ( 13 ) قوله تعالى : ( فاهبط منها ) في هاء الكناية قولان : أحدهما : أنها ترجع إلى السماء ، لأنه كان فيها ، قاله الحسن . والثاني : إلى الجنة ، قاله السدي . قوله تعالى : ( فما يكون لك أن تتكبر فيها ) إن قيل : فهل لأحد أن يتكبر في غيرها ؟ فالجواب : أن المعنى : ما للمتكبر أن يكون فيها ، وإنما المتكبر في غيرها . وأما الصاغر ، فهو الذليل . والصغار : الذل . قال الزجاج : استكبر إبليس بإبائه السجود ، فأعلمه الله أنه صاغر بذلك . قال أنظرني إلى يوم يبعثون ( 14 ) قال إنك من المنظرين ( 15 ) قوله تعالى : ( قال أنظرني ) أي أمهلني وأخرني ( إلى يوم يبعثون ) ، فأراد أن يعبر فنظرة الموت ، وسأل الخلود ، فلم يجبه إلى ذلك ، وأنظره إلى النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم . وقد بين مدة إمهاله في ( الحجر ) بقوله : ( إلى يوم الوقت المعلوم ) . وفي ما سأل الإمهال له قولان : أحدهما : الموت . والثاني : العقوبة . فإن قيل : كيف قيل له : ( إنك من المنظرين ) وليس أحد أنظر سواه ؟